Skip to content Skip to footer

دعنا نتحدث عن الجنس

لا يُذكر تاريخ واضح لبداية عمل الإنسان السياسي، فمنذ الأزل والإنسان يحاول تنظيم شؤون حياته اليومية بطرق وتبعا لأفكار مختلفة. وأصبح من المعلوم اليوم أن الأنظمة السياسية زائلة أو متغيّرة مع تغيّر الإنسان وحاجاته التي تتبدل وتتطور مع التطور العلمي والأدبي والتكنولوجي وغيرها. وهذا التطور الذي أتاح للإنسان فهم الإنسان بشكل أفضل وأدق خلق باستمرار تحديات للأنظمة في قدرتها على إثبات نفسها كأفضل ممثل للشعب وحاجاته. وفي طريقها لتقديم نفسها، لعب السرير مؤشرًا أساس على مدى احترام الأنظمة لحقوق الإنسان وحرياته، لم يعد اليوم تأمين الحاجات الأساسية والبديهية من الأكل والشرب واللباس والسكن، المؤشر الوحيد على قوة الأنظمة وسعادة شعبها، لأن الإنسان قرر أن يضع حدًّا للإهمال الذي طال جسده ورغباته وحرياته بعد آلاف السنين من الكبت والقمع والتعتيم وإدراج الرغبات والحاجات في خانات التابو والمحرمات والجرائم. اليوم يقف العالم مجبرًا على الحديث عن الجنس في قالب جديد و فوق منابر تقدمية عرفت كيف تخرج من المحظور وتناضل.

ما زالت كلمة “جنس” تثيرُ الجدل والحشرية حتى في البلاد الأكثر تقدمية، ربما لأن الموضوع بقي مثيرًا للاهتمام رغم كل محاولات التعتيم والتحريم، او ربما هذه السياسات الممنهجة التي هدفت لإنهاء الحديث عن الجنس أججت الرغبة بالحديث عنه أكثر. على أية حال وبسبب عدم تناول الموضوع بحرية تامة دون أي عوائق او مخاوف لسنين طويلة، ما زال الجنس حديث جدلي، رغم كل الاهتمام الذي كرسته العلوم المختلفة لوضع ثوابت وحقائق يكون لها الكلمة الاخيرة في الإجابة على كل التساؤلات وحسم الجدالات. 

لكن مع الأسف، فإن العلوم هذه كانت في أغلب الأحيان وسيلة في يد الأنظمة وأيديولوجياتها التي مارست سلطتها المطلقة في إخفاء الحقيقة أو تحويرها أو قمعها أو حتى استغلالها في أجندات سياسية خاصة. لهذا، فإن فكرة العالم عن الجنس ليست واحدة، تختلف من بلد الى آخر وحتى من منطقة الى أخرى في البلد نفسه حسب المعتقدات والثقافات، وحتى بين فرد وآخر في المجتمع الواحد. فبينما يصر البعض أن هدف الجنس هو الانجاب يؤكد آخرون أنه الهدف بحد ذاته، وبينما يراه البعض تابو أو حرام، يراه آخرون أمرا عاديا وحاجة ضرورية، وبينما يصر البعض على حصره بثنائية الأنثى والذكر يكسر البعض الحاجز لعالم أوسع بكثير، وبينما يؤكد البعض على أهمية التراضي يرى آخرون أنه أمر ثانوي. ولذا فإن الحديث عن الجنس في الصحف لا بد أن يكون سياسيا يصوّب على مفهوم الجنس لدى الدولة، سواء على صعيد حرية اختيار الشريك أو حرية ممارسة الجنس خارج القيود الدينية والمجتمعية أو على صعيد الصحة الانجابية قبل وخلال وبعد الجنس، أو على صعيد علاقتنا بأجسادنا وعلاقة الدولة ومدى صلاحيتها في التدخل بهذه العلاقة.

وفي الحديث عن علاقتنا مع أجسادنا، فإن هذه العلاقة رغم خصوصيتها تتعرض بشكل يومي ومستمر إلى تدخلات خارجية بأشكال مختلفة. على الصعيد الأكاديمي مثلا، لعبت المدارس في لبنان دورًا كبيرًا في خلق شرخ كبير بيننا وبين أجسادنا، هذا لأنها أضاعت سنينا مهمة من حياتنا دون الحديث عن الجسد والجنس، حتى في عمر المراهقة كان الحديث في الصف يقتصر على معلومات بيولوجية جامدة تقدمها المعلمة أو المعلم بخجل دون فتح اي مجال للنقاش أو الأسئلة ودون اشباع حشرية الطالب الذي بدأ يتغير للتو مفهومه عن جسده والجنس، هذا عدا عن ممارسة المدرسة دورًا إضافيا ليس من حقها وهو التحريم والتجريم و”التعييب”، ولعب دور الرقيب والبوليس بدل من مكان للوعي والتقدم والرعاية. المناهج التعليمية في لبنان ليست معمولة لخلق وعي لدى الطلاب بل لطمثه واكمال دور السلطات السياسية والدينية والمجتمعية. عوامل كثيرة أخرى تؤثر على علاقتنا بأجسادنا وتدخل بيننا، عدا عن السلطة الدينية والدور الأبوي الذي تلعبه في “السماح وعدم السماح” لنا بممارسة حرياتنا، وعدا عن القوانين والتشريعات التي تتحكم بأجسادنا دون سؤالنا عما نحتاج نحن بالفعل، فإن طبقتنا الاجتماعية وعرقنا ونوعنا الاجتماعي عوامل تلعب دورًا رئيسيا في حكم هذه العلاقة والتأثير على صحتنا الإنجابية.   

في الأشهر المنصرمة، شهد لبنان موجة قمع للحريات الشخصية وموجة عنف ضد الفئات المهمشة من اللاجئين إلى النساء والأقليات الجنسية والجنسانية والجندرية، وظهرت مجموعات متطرفة و حملات مناهضة للحريات. المشهد غريب في بلد اعتاد أن يكون ملجأ للكتاب والأدباء والشعراء والسياسيين المعارضين لأنظمة بلادهم، غريب أن يُصان إرهاب هذه المجموعات المتطرفة بالقانون بينما تُمنع تجمعات ونشاطات مجتمع الكوير السلمية ويُلاحق الناشطين من قبل قوى الأمن وتُمزق ورود القوس قزح بينما تجول الأسلحة بحرية بأيدي حامليها. إن الجنس والحب والعلاقة مصطلحات ومفاهيم لا زالت أسيرة لتفسيرات رجال الدين والسلطة السياسية التي تربطها علاقة وثيقة بالسلطة الدينية، وفي بلد لا يستوعب حق الإنسان في الحب ولا يكفله بقوانينه، في بلد يُخصع أجساد النساء للرقابة ويُخضع أسرّة الناس لقوانين وتشريعات أثبتت رجعيتها ورجعية البراهين المستندة إليها، في بلد تنهشه الأزمات الاقتصادية والصحية والسياسية ويختار تحميل اللاجئين عبء المسؤولية، لا يمكن أن تكون الحياة يومًا كما يجب أن تكون.

ورحلة التحرر تبدأ من هنا، من الحديث على العلن بصوت مرتفع وسطور واضحة بكلمات فجة ودقيقة. التحرر يبدأ عند ملاحظة الخطأ ورفضه، وبعد الرفض لا بد من العمل. تبدأ الرحلة عندما نتصالح مع أجسادنا وأشكالها وأوزانها وألوانها وقدراتها، عندما نعي أننا لسنا خطيئة متنقلة، ولا نحن قديسات وقديسين ملزمات/ين على المشي مع الحائط، عندما نُدرك أن أجسادنا ملك لنا فقط ولا يمكن لأنظمة تشرع قمعها بأن تحميها أو تحقق لها العدالة. انما العدالة طريقها طويل، يبدأ هنا، اليوم، الآن.

Show CommentsClose Comments

Leave a comment

 

This thought and resource space explores both the impact of taboos that promote discrimination and the role of youths in promoting inclusion through incremental change.

Taboohat

powered by Sharq.Org