في صغرنا، كنّا نحب مشاهدة الطائرات والتلويح لها وتوديع ركابها بصراخٍ بريء، خلف تلك النظَرات كان حلم بالوجود على متنها، لا لشيء الّا متعة المغامرة. استمرّت عادة المشاهدة ونحن نكبر، ربما خفّ التلويح واختفى الصراخ وتغير الحلم. كنّا بعد رحيل الطائرة نعود لحياتنا بشكل طبيعي، نلعب ونلهو وننسى المشهد حتى يعود ويتكرر، اليوم مهما ابتعدت الطائرة في السماء لا ترحل، تبقى في بالنا، تُقلقنا، تطير أمامنا وتبتعد دوننا، تماما كالمستقبل.
لكنّني لم أتمنّ يومًا أن أكون على متنها لأرحل دون رجعة، وبعد سنوات من تذوّق الحياة بمرّها في بلادنا، ما زلت أكره التواجد على متن الطائرة التي لا تنوي إعادة ركابها. هذا الكلام الذي أتحمل ثقل الاتهامات المرافقة له، لم يعد عاطفيًّا بحت. اليوم عندما أقرأ الأخبار أعرف أن سوريا، بلدي الأول، أقفلت أبوابها في وجهي الى غير رجعة. ولبنان، بلدي الثاني، يُشعرني بين حين وآخر أنه مستعد لطردي في أي لحظة سياسية، لذا يبدو من المنطقي والبديهي أن أبحث عن بلد ثالث أستقر فيه قبل فوات الآوان.
أنا لا أنكر أنني جلست مرارًا خلف الحاسوب أبحث فوق خريطة ملوّنة عن بلد أرحل إليه، خاصة بعد اشتداد الأزمة الاقتصادية في لبنان وتصاعد خطاب الكراهية ضد السوريين، والتهديد الدائم بترحيلهم كما يحدث الآن , ولا أنكر أنني حاولت التخطيط للرحيل هذا، لكن عبثًا.
بين ألف سبب للرحيل، وجدت بضعة أسباب تُعدّ على الأصابع كي لا أرحل. كان هذا عندما اكتشفت أن عدد الأسباب لا يلعب دورًا في اختلال كفّي الميزان، في سبب واحد قد يزيد ثقله عن خمسين سبب. خاصة إذا كان هذا الميزان يقيس القرارات المصيرية. هي اللحظة التي تُدرك فيها أن هذه الخريطة على الحاسوب عاجزة عن مساعدتك في ايجاد الاوطان، لأن الاوطان لم تكن يومًا جغرافيا وحسب. مهما لوّنت غوغل الخريطة، فإن اختبار الحياة على الأرض لا يُختصر بصورة على الانترنت. إن الوطن هو التجربة، هو الحياة كما عرفناها في طفولتنا، حارات ضيقة وسماء واسعة وضجيج ناس لا ينضب، هو اللغة الأولى التي أخبرنا بها العالم أننا هنا، نُدرك الحب والفرح والخوف والحزن والقلق، هو زوايا الحانات التي كتبنا عليها اسم الحبيب وزوايا أخرى قبّلنا فيها هذا الحبيب، هو الأرصفة التي استرحنا عليها بين المعارك مع الحياة والمعارك مع قلة الحياة، هو الفكرة السياسية التي من أجلها بكينا وواجهنا وما زلنا. ربما تكون أوروبا أجمل، لكني لم أرَ وجه أمي لأول مرة هناك، ولم أخطُ خطوتي الأولى هناك، ولم أدرك صراعي كنسوية هناك. أنا أعلم أن هذه البلاد ينقصها الكثير لكي تكون بلادًا، وأعرف أن كلماتي لا تُشبع فقيرًا ولا تُحرر امرأة ولا تُطمئن كويريًّا، لكنني لا أكتب وحسب، أنا أكتب لأنها طريقتي الأولى في المواجهة. لا أعلم كيف سيكون الحال في بلادي بعد عشر سنوات، لكنني لا أريدها أن تكون خالية منّي. احتمال ضئيل أن يكون الحال أفضل، لا أريد أن أرحل وأخنق بذلك حتى هذا الاحتمال.




