Skip to content Skip to footer

معطيات تشخيصية زواج القاصرين بالمغرب

ملحوظتان أساسيّتان يتعيّن شد الانتباه إليهما في مستهل هذه الورقة؛ الأولى تهم الموضوع، والثانية تهم طرق معالجتها.

أولا: تشكل الأسرة مؤسسة مميزة للغاية، فهي عماد المجتمع، واللبنة الأساسية في صالح بنائه، لذلك جاءت الدساتير بمختلف الدول داعمة لهذا التصور، فنجد مثلا الدستور المغربي مبينا لأهميتها في الفصل 32 منه، حيث نص على أنها الخلية الأساسية للمجتمع، وأوكل للدولة مسؤولية العمل على ضمان حمايتها الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية بما يضمن الحفاظ على تماسكها واستقرارها. واحتسابا لما يترتب عن العلاقة الزوجية من التزامات لا يستهان بها على عاتق الزوجين (حمل وولادة وتنشئة الأولاد والإنفاق…)، فقد جاءت مجموعة من التشريعات لتقر لها على ضوابط واضحة، وفي مقدمة هذه الضوابط  امتلاك القدرة على بناء أسرة متماسكة تقوم بأدوارها المجتمعية على أكمل وجه، و من تم جرى تقييد زواج الفتى والفتاة بمجموعة من الشروط،  وفي مقدمتها ضرورة توفرها على أهلية الزواج المتمثلة في بلوغ سن معينة، حددت في 18 سنة لدى معظم الدول، ومنها المغرب، انسجاما مع السن المنصوص عليها  لبلوغ سن الرشد في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.

ثانيا: إن ما قيل حول أهمية الأسرة والضوابط التي وضعت لها، لا ينفي حقيقة السماح استثناء، بزواج من هم دون سن الأهلية المحدد كأصل في 18 سنة، في عدد من الدول، وهو الأمر الذي كرسه على سبيل المثال لا الحصر المشرع المغربي بدوره في ظل مدونة الأسرة من خلال المادتين 20، و21 ،بعد أن أقر في المادة 19 أن أهلية الزواج لا تكتمل إلا بإتمام 18 سنة .وتوضح قراءة متأنية المادتين 20 و21، أن المشرع المغربي وإن أباح الزواج لمن هم دون سن الأهلية، فإنه أحاطه بضوابط صارمة، تحقق القصد والغاية من هذا النص، و منها إبقاء هذا النوع من الزواج في إطاره الاستثنائي،  وفي هذا الصدد يشترط صدور إذن قضائي معلل، يبين المصلحة والأسباب الداعية إلى الإذن بالتزويج، وذلك بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي، والاستعانة بخبرة، أو إجراء بحـث اجتماعي. غير أن الإحصائيات التي يتم تسجيلها سنويا منذ دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ بتاريخ 5 فبراير 2004 تثير أكثر من تساؤل، نظرا للارتفاع  الملحوظ في عدد رسوم زواج القاصرين، مما يجعل القوانين الحمائية والمؤسسات الساهرة على تنزيلها محط مساءلة، و يسائل أيضا جميع الفاعلين المعنيين من مؤسسات وأفراد حول التدابير التي يتعين اتخاذها للحد من هذه الظاهرة التي استشرت على نحو واسع ومخيف.

ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة برمتها تشكل مصدر قلق  للمغرب، نظرا لتزايد عدد القاصرين المتزوجين قبل السن القانوني، ولما يترتب عن هذا النوع من الزواج من تبعات وآثار وخيمة على تمتع الأطفال بحقوقهم، حيث تتم إعاقة نموهم،  والإمكانيات المتاحة لبناء مستقبلهم، وتحقيق استقلاليتها على كافة المستويات والأصعدة، كما أنهم يصبحون الفئة الأكثر عرضة للعنف البدني، والنفسي، و الاستغلال الاقتصادي والجنسي.  و فضلا عن ما تم ذكره، يقترن ارتفاع نسب زواج القاصر بارتفاع معدلات وفيات الأمهات والرضع، كما يمكن أن تلحق هذه الظاهرة أضرارا بالغة بصحة الفتيات الجنسية والإنجابية، بل إن العديد من الوثائق والتقارير الدولية تذهب إلى احتمال أن:”المضاعفات المرتبطة بالحمل سبب رئيس للوفاة بين  الطفلات، و ترفع احتمال وفاة النساء اللواتي بلغن العشرينيات من عمرهن إلى الضعف” .  وبشكل عام يشكل تزويج الأطفال و الحمل المبكر، إحدى العقبات الرئيسية التي تحول دون ضمان فرص التعليم، والعمل، وغيرها من الفرص الاقتصادية للفتيات والشابات على نحو خاص، مما يساهم في هدر طاقات مهمة، و يعوق تكوين جيل قادر على كسب رهان التنمية.

 وفي إطار التفاعل مع النقاش المجتمعي حول ضرورة الحد من استشراء هذه الظاهرة تمت بلورة العديد من المبادرات  المطالبة بتعديل المادة 20 من مدونة الأسرة، وهو ما جاءت به الكتلة النيابية في المذكرة التقديمية لمقترح القانون الذي تقدمت به “لكي لا يتحول الاستثناء إلى أصل”، لافتة إلى أنه “رغم أن مهمة القضاء على تلك الظاهرة تبدو شبه مستحيلة، إلا أنه يمكن الانخراط فيها والحد منها عبر التوعية وسن قوانين صارمة في هذا الإطار”.

وسارت الكتلة النيابية لحزب “التقدم والاشتراكية” على نفس النهج، من خلال إعادة وضع مقترح قانون يقضي بتعديل المواد 20 و21 و22 من قانون مدونة الأسرة رقم 70.03، ويتعلق التعديل بمنع تزويج الفتيات القاصرات، والمقترح وضع  بين يدي مكتب مجلس النواب منذ أن تقدمت به الكتلة المعارضة في 22 يناير/ كانون الثاني 2021، وتمت إحالته على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان في الخامس من فبراير/ شباط 2021، من دون أن يكون موضوع مناقشة

ومن جانبها تعتبر المنظمات والهيئات الحقوقية المدافعة على حقوق الطفل  أن “الأمر يتعلق بالتزويج القسري، وهو شكل من أشكال اغتصاب الطفولة”، لافتة إلى ضرورة “التنصيص صراحة على أن أهلية الزواج هي 18 سنة كاملة، وإلغاء الاستثناء الذي أصبح قاعدة لتزويج القاصرات عبر نسخ ومراجعة الفصول الـ 20 و21 و22 من مدونة الأسرة بما يتلاءم ومضامين دستور 2011، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي صادق عليها المغرب،  على اعتبار  أنها المداخل  الرئيسية للقضاء على تزويج الأطفال والطفلات، بما يحقق المصلحة الفضلى للطفل”. كما وقد أكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان في العديد من المناسبات موقفه الثابت من زواج القاصر، والذي  يحيل على تشبته بإلغاء هذا الزواج، و تجريم الفعل الرامي إلى إجبار كل طفل قاصر على الزواج. ونفس الشيء بالنسبة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي ينطلق من دوره كمؤسسة دستورية مستقلة تضطلع بمهام استشارية.

Show CommentsClose Comments

Leave a comment

 

This thought and resource space explores both the impact of taboos that promote discrimination and the role of youths in promoting inclusion through incremental change.

Taboohat

powered by Sharq.Org